روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

8

مشرب الأرواح

وأجالهم في ميادين السرور ، وخصّ المصطفين بسنيّ المقامات ، وشرفهم بحقائق الحالات ، وكسى أسرار الخلفاء أنوار الربوبية ، وألزمهم سمات العبودية ، وجعل البدلاء بديل الرسل والأنبياء وخلقهم لهداية الخلق إلى مقام الشهداء ، وجعل نفسه مأوى أسرار الأقطاب ، وعظمهم بين جميع الخلق بكشف النقاب ، والحمد للّه الذي خصّ هؤلاء السادات بهذه الدرجات السنية وبهذه الأحوال الشريفة والكرامات العلية ، هم نجوم سماوات الطريقة وشوامخ رواسي الحقيقة ، أولئك سرج الزمان وآيات الرحمن ، شموس أسرارهم أشرقت من مطالع جلال الأزليات ، وأقمار أرواحهم استوت في هواء الأبديّات ، جالت قلوبهم حول الملكوت ، وطارت عقولهم في سماء الجبروت ، وسمت هممهم إلى تمام قرار القدم حتى بلغت بساط المداناة والكرم ، أسبل عليهم أفانين أنوار جماله وجلاله ، ونوّمهم في حجر وصاله ، وروّحهم بمروحة الأنس ، وطيّبهم بروائح عبق القدس ، ترنم لهم بلابل بساتين ورد الكفاية ، وتزمزم لهم عنادل أشجار العناية بألحانات الأمن والمكرمة فاستروحوا بروح المشاهدة ، وسكنوا بطيب المكاشفة ثم نبههم بأصوات الرضاء ، وألبسهم قباء أنوار البقاء ، وسقاهم شراب المؤانسة ، وأسكرهم بطيب الخطاب والنظر إلى جلاله وجماله بالمعاينة ، ثم أدارهم في فراديس الأسرار على نجائب الأنوار ، وفتح لهم صناديق عجائب كنوز الربوبية وأراهم ما فيها من غرائب لطائف الألوهية ، فيا لها من شربات ما أحلاها ، ويا لها من مجالس ما أطيبها ، ويا لها من حجلات ما ألطفها ، لهم جلال في جلال وجمال في جمال ووصال في وصال وكمال في كمال أبدا . وصلّى اللّه على محمد خير ما كان وما يكون في العالم ، وأكرم السلالة من فطرة آدم طاوس بساتين القدم وحمام أبراج الكرم خاتم الرسالة ومنبع الولاية وعلى آله الطيبين وصحبة المنتجبين . وبعد فإني لما جذبني جاذب الحق إلى باب عبوديته ، وأقامني على بساط ربوبيته ، وأراني تيسير السر وجولان القلب ودور العقل وذو الروح لطائف ملكوته وخلال غرائب جبروته ، وأدارني في مقامات الولاية ، وسقاني شراب المحبة ، وكحل عيني بكحل المعرفة ، وشاهدني جماله وجلاله ، وأتحفني وصاله ، وجعلني في الحالات شاطرا ، وفي المقامات طائرا ، وفي المعرفة سالكا ، وفي التوحيد مالكا ، أردت أن أخبر المريدين من بعض مقامات العارفين شكرا لإنعامه وحمدا لأفضاله حيث قال : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ( 11 ) [ الضّحى : 11 ] ، فاخترت من جملتها على قدر فهومهم ألف مقام ليعرفوا مذاهب الأولياء ومسالك الأصفياء وما لهم عند اللّه من